اغتصاب القرار الخبز كرامة: محمد سواعد- ابن الحميرة

محمد سواعد- ابن الحميرة

ذكرنا في مقال الأمس عن اغتصاب العقول في العالم والذي يؤثر على الدول والمجتمعات أكثر وأشد من اغتصاب الأرض والجسد، واليوم نتحدث في مقالنا عن اغتصاب القرار عن طريق الخبز والغذاء، فمما لا شك أن الخبز من أهم عناصر الغذاء التي لا يستغني عنها الفرد والمجتمع، لذا فإن الدول تضع الخبز ضمن الأولويات الغذائية التي ينبغي توفيرها للمواطنين، كما تدعمها حتى لا يرتفع سعرها عن الحد الأدنى الذي يتساوى فيه كل طبقات المجتمع، كما تحرص الدول على توفير موارد الخبز من القمح إلى الطحين حتى تضمن الدول وجود هذه السلعة في متناول كل مواطنيها على مدار العام.

ولا عجب أن نرى الآباء والأمهات يكدحون في الحياة لتوفير لقمة الخبز لأبنائهم ويتحملون من أجل ذلك ظروف العمل والسفر وربما سوء خلق صاحب العمل أحيانا وتقلبات السوق المحلية والعالمية.

وقد ثارت الشعوب وأطاحت بحكومات ورؤساء من أجل عدم اهتمامهم بتوفير لقمة الخبز للمواطنين، فقد ثار الشعب الفرنسي عام 1789 يطالب الدولة بتوفير الخبز فقالت الملكة ماري انطوانيت وهي المترفة والتي تتمتع بكل أنواع النعيم في القصر الملكي: “إن لم يكن لديهم خبز فليأكلوا البسكويت”. وقد أصبحت هذه العبارة من المقولات الشهيرة في التاريخ، وتحوّلت بسببها الملكة الفرنسية، الجميلة والذكية، لكن المتهوّرة والمتكبّرة، رمزاً مكروهاً يمثّل المَلَكية الفاسدة، ويغذّي الثورة الفرنسية التي أطاحت هذه الملكية، وأفضت فيما بعد إلى قطع رأس الملكة ورأس الملك، مع أن بعض الباحثين ينكر أن تقول الملكة قالت ذلك.

وقد حرصت الدول أن تعتمد في إنتاج خبزها على القمح الذي يزرع في البلاد وذلك لأن من كان خبزه من فأسه فقراره من رأسه كما تقول العرب، أما من اعتمد في خبزه على القمح الذي تجلبه السفن من وراء البحار فإن قراره كذلك سيأتي من وراء البحار، وقد عمدت الدول الكبرى التي تسعى لإحكام قبضتها على الدول الضعيفة أن لجأت الدول الكبرى إلى فرض واقع معين يكون فيه استيراد القمح الأمريكي على سبيل المثال أرخص من تكلفة زراعته في الدولة، وهذا الإجراء يهدف إلى:

1- وضع الدولة تحت رحمة الدول المصدرة للقمح، بل إن الدولة المستوردة لا تملك من قراراتها شيئا.

2- إفقار الدول المستوردة عبر استنزافها بديون وقروض طويلة الأمد تنتهي بانهيار وإفلاس هذه الدول.

3- نشر ثقافة الكسل والخمول عن الإنتاجية في العالم العربي.

وقد نجحت الدول الكبرى إلى حد بعيد في هذا السياق، فانقلبت لسودان التي كانت قبل فترة ليست بعيدة تتمتع باكتفاء ذاتي في إنتاج الحبوب تتحول اليوم إلى أكبر مستوردة للقمح الأمريكي.

وكتب اللبناني واصف عواضة في موقع الحوار نيوز مقالا يصف فيه حال لبنان وما آلت إليه الأوضاع قال: كان جبران خليل جبران يقول: “ويل لأمة تأكل مما لا تزرع، وتلبس مما لا تصنع”. رحل جبران عن هذه الدنيا قبل تسعين عاما، وما زال الويل يلاحقنا، لأننا لم نأخذ بكلام جبران الذي نسج للعالم نهجا اقتصاديا سليما، سلِمت الدول التي أخذت به وأعزت شعوبها، وسقطت دول تجاهلته وأذلت ناسه.، صحيح أن جبران لم يكن عالم اقتصاد ولا خبيرا في إدارة الدول، لكنه رسم للشعوب (ربما من دون أن يدري) دورة اقتصادية حقيقية، لا تقوم فقط على الخدمات والنفط والمصارف والنظام الريعي، بل تبدأ من الأرض ،أم الخيرات وأبيها ،حيث تنبت الحبة “ومنها تأكلون”، وكتب السيد أحمد زمان في موقع الأيام: ولا شك أن الأمة لن تستقل بنفسها وتملك قرارها إذا كانت محتاجة للغرب في كل شيء من طعامها ولباسها، بل سيظل التهديد بالحصار الاقتصادي واقعًا عليها دائمًا وتظل خاضعة لما يملى عليها من طرف المستعمر، فويل لنا إذا وجدنا أنفسنا مرهونين بنجاح أو فشل محاصيل الأرز والشاي في الهند وباكستان وسيلان، وارتفاع أسعار البن في البرازيل والقمح في أمريكا.

ولا ننسى أن مجتمعنا العربي كان حتى سنوات قلائل يزرع كل ما يحتاجه البيت والأسرة طوال العام وكانت الأسر تتمتع بالاكتفاء الذاتي دون الحاجة الى الشراء من المتاجر إلا فيما ندر.

فهل تمت السيطرة على العقول العربية نحو ترك الإنتاج وتصحير الأرض الزراعية في العالم العربي ليستفيد المزارع الأجنبي فيما وراء البحار وبينما تقوم الدول الكبرى بالسيطرة السياسية وإخضاع هذه الدول لقراراتها بناء على حاجة العالم العربي إلى الغذاء والدواء، وهل يمكن أن نشهد في القريب العاجل برامج توعوية مدروسة لإعادة الناس إلى الزراعة والإنتاج؟!.

اكتب تعقيب

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s